تعتبر مؤسسة التعاون الوطني أول مرفق اجتماعي أسس في مغرب الاستقلال من قبل الملك محمد الخامس طيب الله ثراه يوم 26 رمضان 1376 ه الموافق ل27 أبريل 1957 م. وقد اعتمدت في بدايتها على الخدمة الاجتماعية كما هو متعارف عليه في ثقافة وتقاليد الشعب المغربي، المرتكزة أساسا على التكافل والتضامن المستمد من الدين الإسلامي.
مع بداية الاستقلال، ارتبط مفهوم الخدمة الإجتماعية بالمرجعية الدينية وقيم التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع المغربي، واستمدت مفهومها العملي من الظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت تمر منها البلاد، إبان فترة الاستقلال وما خلفته فترة الاستعمار من آثار سلبية على المجتمع المغربي برمته على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.
اعتبرت الخدمة الاجتماعية آنذاك وظيفة إنسانية وإحسانية، وانكبت على معالجة المشكلات القائمة في مختلف المجالات الاجتماعية، وسعت للرفع من قدرات الفرد وتعزيز دوره في المجتمع، غايتها في ذلك تحقيق التضامن الاجتماعي.
ولهذه الغاية، أصبح التعاون الوطني أول متدخل مباشر في المجال الاجتماعي ،أسندت له مهام رعاية ومساعدة الفئات الفقيرة وذوي الاحتياجات الخاصة.
لقد اقتصرت مهام مؤسسة التعاون الوطني في بدايتها على تقديم المساعدات لنزلاء المؤسسات الاجتماعية والفئات المحرومة، إلا أن هذا الاتجاه الذي كان آنذاك من الضرورات الملحة، تطور في مرحلة موالية في اتجاه أنشطة وبرامج ذات أبعاد اجتماعية متعددة. وأصبح بالتالي التعاون الوطني فاعلا ضروريا في مجموعة من الأوراش التنموية التي فتحت إبان الاستقلال. و شمل اهتمامه رعاية المؤسسات الخيرية ودور المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، حيث عمل على تشجيع إحداث مجموعة من المؤسسات الخيرية بمختلف ربوع المملكة، التي كان لها دور أساسي في توفير فرص التعليم التي لم تكن متاحة من قبل. و استهدفت النزلاء أيضا وعملت على تكوينهم بما يمكنهم من العيش الكريم، حيث احتضنت الأطفال الأيتام الذين لا عائل لهم وحرصت على حمايتهم من التشرد والحرمان والانحراف، فتخرجت من هذه المؤسسات أعداد وافرة من الكوادر والكفاءات الوطنية التي ساهمت بشكل فعال في التنمية الوطنية.
وتماشيا مع المستجدات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية التي شهدتها بلادنا خلال الستين سنة الماضية، عرفت خدمات مؤسسة التعاون الوطني تطورا في مفهومها ومضمونها، بالانتقال من مرحلة تقديم العون والمساعدة، ومرورا بمرحلة العمل الاجتماعي الوقائي والتأهيلي إلى مرحلة المساعدة الاجتماعية بمفهومها الشامل، استجابة لمتطلبات الفئات التي تعيش في وضعية هشاشة وإقصاء اجتماعي والتي شكلت دائما أولى اهتماماتها وانشغالاتها. وقد اعتمدت في تدخلاتها على سياسة اللاتمركز من خلال تمثيليات جهوية وإقليمية وشبكة واسعة من المراكز الاجتماعية، وكذا عبر الجمعيات الشريكة.
تعتبر سنة 2005 سنة تثمين دور ومهام التعاون الوطني في مجال محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي، حيث عرفت ميلاد ورش وطني كبير رفع من قيمة العمل الإجتماعي، وذلك من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أعلن عنها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطابه بتاريخ 18 مايو 2005.والتي ساهمت في تعزيز دور التعاون الوطني وتطوير برامجه وأهدافه.
لقد أعطت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أهمية بالغة لموضوع محاربة الهشاشة، بل جعلت منه أحد برامجها الأساسية. حيث رصدت له إمكانيات ووسائل عمل هامة، مما ساعد التعاون الوطني على دعم تدخلاته وتركيزها أكثر في مجالات محاربة الهشاشة، وذلك باعتماد منهجية جديدة مكنته من تصنيف دقيق للفئات المتواجدة في وضعية هشة وكذا تقوية مكانته و علاقته بباقي المتدخلين في المجال الاجتماعي.
عرفت العشرية الأخيرة، مشاركة وحضورا فاعلا للتعاون الوطني عبر مصالحه الخارجية الجهوية والإقليمية، في أشغال اللجان الترابية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية وذلك من خلال تقديم مشاريع انطلاقا من رصد هذه المصالح لمواطن الخصاص في المجال الاجتماعي بالجماعات التابعة لنفوذها الترابي، وكذلك من خلال المساهمة في قيادة العديد من المشاريع الاجتماعية التنموية، والمرتبطة أساسا بمجالات تدخل المؤسسة ووحداتها التربوية والاجتماعية، أو لها علاقة ببرامجها الاجتماعية المشتركة.
تميزت المرحلة الحالية (ابتداء من سنة 2014) باعتماد مخطط جديد لتنمية التعاون الوطني، والذي يروم تمكين المؤسسة من الطرق والمساطر والمؤهلات ووسائل العمل التي تسمح ببلوغ النجاعة والفعالية في تدخلاتها في مجال المساعدة الاجتماعية، وذلك بانسجام وتكامل مع تدخلات باقي الفاعلين في ا لمجال الاجتماعي. وفي هذا الإطار فتح التعاون الوطني مجموعة من الأوراش المهيكلة للمهام الجديدة الموكولة إليه في إطار تموقعه الجديد في الحقل الاجتماعي كفاعل وطني في ميدان المساعدة الاجتماعية، والواجهة المفضّلة للاستماع والتوجيه والدعم والمواكبة لفائدة الشرائح الاجتماعية المحتاجة، وكفاعل مرجعي وميداني في مجالي الهندسة واليقظة الاجتماعية. وقد اعتمد التعاون الوطني في تنزيل مخططه الإستراتيجي على بنيات جديدة ،تهتم باليقظة الإجتماعية والاستماع والتوجيه ومواكبة الأشخاص في وضعية الهشاشة وتوفير الخدمات الإجتماعية للتكفل بالفئات المستهدفة على الاندماج و الإدماج داخل المجتمع، وذلك بتنسيق مع مختلف الفاعلين الاجتماعيين.